محمد بن جرير الطبري

182

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تبين أن إبليس إنما أزلهما عن طاعة الله ، بعد أن لعن وأظهر التكبر ؛ لأَن سجود الملائكة لآدم كان بعد أن نفخ فيه الروح ، وحينئذ كان امتناع إبليس من السجود له ، وعند الامتناع من ذلك حلت عليه اللعنة . كما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن عدو الله إبليس أقسم بعزة الله ليغوين آدم وذريته وزوجه ، إلا عباده المخلصين منهم ، بعد أن لعنه الله ، وبعد أن أخرج من الجنة ، وقبل أن يهبط إلى الأَرض ، وعلم الله آدم الأَسماء كلها . وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما فرغ الله من إبليس ومعاتبته ، وأبى إلا المعصية ، وأوقع عليه اللعنة ، ثم أخرجه من الجنة ؛ أقبل على آدم وقد علمه الأَسماء كلها ، فقال : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ إلى قوله : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ثم اختلف أهل التأويل في الحال التي خلقت لآدم زوجته والوقت الذي جعلت له سكنا . فقال ابن عباس بما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فأخرج إبليس من الجنة حين لعن ، وأسكن آدم الجنة ، فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليها . فنام نومة فاستيقظ ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه ، فسألها : من أنت ؟ فقالت : امرأة ، قال : ولم خلقت ؟ قالت : تسكن إلي . قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه : ما اسمها يا آدم ؟ قال : حواء ، قالوا : ولم سميت حواء ؟ قال : لأَنها خلقت من شيء حي . فقال الله له : يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما فهذا الخبر ينبئ عن أن حواء خلقت بعد أن سكن آدم الجنة فجعلت له سكنا . وقال آخرون : بل خلقت قبل أن يسكن آدم الجنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق ، قال : لما فرغ الله من معاتبة إبليس أقبل على آدم وقد علمه الأَسماء كلها ، فقال : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ إلى قوله : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قال : ثم ألقى السنة على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم ، عن عبد الله بن عباس وغيره ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأَيسر ولأَم مكانه لحما وآدم نائم لم يهب من نومته حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء ، فسواها امرأة ليسكن إليها . فلما كشف عنه السنة وهب من نومته رآها إلى جنبه ، فقال فيما يزعمون والله أعلم : لحمي ودمي وزوجتي . فسكن إليها . فلما زوجه الله تبارك وتعالى وجعل له سكنا من نفسه ، قال له ، فتلا : يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ قال أبو جعفر : ويقال لامرأة الرجل زوجه وزوجته ، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء ، والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأَزد شنوءة . فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب فهو زوج المرأة القول في تأويل قوله تعالى : وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما قال أبو جعفر : أما الرغد ، فإنه الواسع من العيش ، الهنيء الذي لا يعني صاحبه ، يقال : أرغد فلان : إذا أصاب واسعا من العيش الهنيء ، كما قال امرؤ القيس بن حجر :